الصفحة الأساسية > البديل الوطني > منطقة محرومة في قلب الساحل
أولاد عيّار:
منطقة محرومة في قلب الساحل
3 تشرين الثاني (نوفمبر) 2011

عندما نتكلم عن التفاوت الجهوي والتقسيم غير العادل للثروة الذي سلكه النظام الدكتاتوري الممتد لـ50 سنة يحيلنا ذلك إلى المناطق الساحلية والداخلية. هكذا يقرأ التونسيون الخارطة الاقتصادية والاجتماعية للبلاد.

للذي لا يعرف ولايات سوسة، المنستير، المهدية نقول له أنه فعلا هناك أحياء راقية تتجلى فيها مظاهر الثراء الفاحش ولكن يوجد أيضا على أطراف المدن أحياء تعيش الفقر المدقع... يوجد مناطق وأحياء لم يهتف سكانها بعد بـ»جانا الماء جانا الضو جانا الكيّاس» على غرار حي الرياض 2 أو»أولاد عيار» كما يحلو لمنظري الجهويات تسميتها. يوجد حي «أولاد عيار» بقصر هلال ثاني «أغنى» مدينة في تونس بعد مدينة صفاقس.

التقينا السيدة ريم العياري التي طلبت منا الدخول إلى منزلها لنرى عن كثب ماذا تعاني. هي أم لطفلين وحامل. تعرّض زوجها لحادث وهو الآن عاجز عن القيام بأي نشاط. تملك غرفة واحدة تسكنها مع أطفالها مع والدي زوجها المسنين ولا تملك أي مورد رزق سوى أنها تقوم بجمع القوارير البلاستيكية صحبة طفليها كـلما سمحت لها حالتها (حامل). مع العلم أن أم زوجها تعاني من إعاقة ذهنية وهي محتاجة إلى رعاية صحية خاصة وأدوية باهظة الثمن.

نفس الوضعية يعيشها زوجها. كما أنها لا تملك الماء الصالح للشراب وقد أعلمتنا أنها تقدمت بمطالب عديدة قبل الثورة وبعدها من أجل الحصول على مساعدات اجتماعية من تحسين مسكن وبطاقة علاج مجانية للسلط المعنية إلا أنهم لم يعيروها أي اهتمام وهي الآن على أبواب ولادة ولا تملك المال لخلاص المستشفى كما أنها لا تملك أبسط مستلزمات الولادة وختمت حديثها بقولها: «أحس أني منفية في بلدي... أينما توجهت توصد الأبواب في وجهي... مطالبي شرعية، أريد أن أعالج زوجي وأطعم أولادي» .

أما السيدة مباركة بن عبيد وهي امرأة عجوز تعيش صحبة زوجها المسن والمريض، وهي أيضا تملك غرفة واحدة للنوم والطبخ ولا تملك أي مورد رزق وعندما سألناها كيف تعيش قالت بكل صدق وعفوية إنها متسولة وأنها تحس الذل والقهر إلا أنها مجبورة على ذلك لكي تعيش. وقد تقدمت بشكايات من أجل الحصول على منحة الشيخوخة وبطاقة علاج مجانية وتم تجاهلها ولا تجد في الإدارات سوى المماطلة والاستخفاف فقد زارها المعتمد والمرشدة إبان الثورة وإلى الآن لم تتحصل على شئ.

رجل آخر هرول إلينا عندما رآنا نصوّر يدعى عمر الشيخاوي رجل مسن أب لتسعة أولاد ثلاثة منهم متزوجون. كل العائلة تقطن نفس المنزل بما فيها أولاده المتزوجون.الرجل ورغم كبر سنه وتدهور حالته الصحية إلا أنه مضطر للعمل في الحظائر أولاده منهم من يشتغل في الحظائر ومنهم من يجمع القوارير البلاستيكية والبقية عاطلون عن العمل.

أما زوجته فتشتغل بالفلاحة من السادسة صباحا إلى السادسة مساء بستة دنانير اليوم. وقد أخبرنا الرجل بكل حرقة أن ثلاثة من أولاده مسجونون، واحد بتهمة السرقة محكوم عليه بستة سنوات، والآخران تم توقيفهما على إثر الأحداث التي جدت بقصر هلال. ويؤكد الأب بأن أولاده متهمون باطلا ويريد إعادة التحقيق. كذلك أخبرنا أنه إبان الثورة عندما تم تسريح المساجين عاد ابنه إلى المنزل الذي تمت مداهمته في الليل و تم كسر أبواب المنزل وتعنيف أفراد العائلة.

المرأة الأخيرة التي إلتقيناها في رحلة البؤس هذه هي السيدة نبيهة التابوتي. أمّ لخمسة أطفال منهم اثنين من ذوي الإعاقات البليغة زوجها مثل بقية الجيران لا يملك شغلا قارا يجمع قوارير البلاستيك. تسكن في منزل على وجه الكراء لا تتوفر فيه أدنى ظروف العيش الكريم وهي مجبرة على البقاء في المنزل لرعاية ولديها المعاقين.

تقدمت بعدة مطالب للحصول على منحة لفاقدي السند ومطلب للحصول على آلة خياطة لتوفير مورد رزق إلا أن مطالبها جوبهت بالرفض كغيرها ولم تنسى أن تخبرنا بما أجابها المعتمد عندما ذهبت إليه لأنه سخر منها و قال لها بالحرف الواحد: «ما دام مزلت حية انت وراجلك أولادك ماهومش فاقدي سند كي يموت واحد منكم تو تسخف عليهم الجيران وتعاونهم» .

هذه عيّنات من البؤس والشقاء والفقر المدقع الذي يعيشه بعض متساكني قصر هلال. وهو يكشف أن السياسات التي كان يطبقها بن علي في المجال الاجتماعي والاقتصادي لم تكن ناجعة ولم تخلف سوى مثل هذه المآسي. وإذا ما تواصل تطبيق هذه السياسات من طرف الحكومات المقبلة تحت مسميات أخرى فإن الحالة ستبقى على ما هي عليها بل ستزداد سوءا خاصة وأن البرنامج الاقتصادي والاجتماعي الذي أعلنت عنه حركة النهضة لا يختلف جوهريا عن نظام بن علي والحكومات «الانتقالية» التي أعقبته. ولا بد من القطع نهائيا مع هذا النظام الاقتصادي وتطبيق نظام اشتراكي وشعبي يأخذ بعين الاعتبار مصالح الفئات الفقيرة وحاجاتها الملحة والضرورية.

سميّة المعمري