الصفحة الأساسية > البديل الوطني > الدكتاتورية تعزّز ترسانة قوانينها الفاشستية
في تصعيد جديد لوتيرة القمع:
الدكتاتورية تعزّز ترسانة قوانينها الفاشستية
أيار (مايو) 2010

أحالت الحكومة يوم 20 ماي الجاري مشروع قانون جديد على مجلس النواب. ويهدف هذا المشروع حسب التصريحات الرسمية ووسائل الإعلام الموالية (الصباح، الشروق، لابراس...) إلى "تدارك ثغرة" في الفصل 61 مكرر من القانون الجزائي وذلك بإضافة "أحكام يعاقب بمقتضاها كل من يتعمّد ربط الاتصالات مع جهات أجنبية للتحريض على الإضرار بالمصالح الحيوية للبلاد التونسية وكل ما يتعلق بأمنها الاقتصادي". وحسب ما يتردد من أحبار فإن عقاب هذه التهمة قد يصل إلى خمس سنوات سجنا عدا الخطايا المالية.

وليس خافيا على كل متتبع للشأن السياسي ببلادنا أن مشروع القانون الجديد جاء أياما بعد الاجتماع الذي انعقد يوم 11 ماي ببروكسيل وضم وفدين، الأول عن الحكومة التونسية والثاني عن الاتحاد الأوروبي بهدف مناقشة أو بالأحرى بداية النظر في مطلب الطرف التونسي الراغب في الحصول على مرتبة "الشريك المتقدم" في العلاقة بالاتحاد الأوروبي بحثا عن "امتيازات اقتصادية ومالية" جديدة. لكن هذا الاجتماع لم يفض على ما يبدو إلى تقدم ملموس في معالجة "الملف التونسي" بسبب أوضاع الحريات وحقوق الإنسان في بلادنا.

إن "الاتحاد الأوروبي"، هذا التجمع الاحتكاري الرأسمالي الكبير لا يمنح حسب مقرراته، مرتبة "الشريك المتقدم" إلا لمن تتوفر فيه، بالإضافة إلى "الشروط الاقتصادية" (اقتصاد السوق...)، جملة من الشروط السياسية التي تتعلق باحترام الحريات وحقوق الإنسان ومبادئ الحكم الديمقراطي (الانتخابات الحرة، التداول على السلطة) واستقلالية القضاء وقواعد "الحكم الرشيد" (مقاومة الفساد...). وبالطبع فإن هذه الشروط السياسية غير متوفرة في نظام بن علي الذي يحتل اليوم مرتبة بارزة عالميا ضمن "كوكبة" الأنظمة الأكثر عداء للديمقراطية، وهو ما أصبح يحرج حتى حماته التقليديين في واشنطن وباريس وغيرهما من العواصم الأوروبية، وهو ما عبّر عنه بعضهم بمناسبة المهزلة الانتخابية لشهر أكتوبر الماضي وما رافقها وتبعها من أعمال قمع مازالت متواصلة إلى حد الساعة.

وقد استغلت المنظمات الحقوقية والإقليمية، التي تعمل بتنسيق مع الحركة الحقوقية التونسية، فرصة انعقاد اجتماع 11 ماي الجاري، لمطالبة الطرف الأوروبي، لا برفض عقد اتفاقية جديدة مع نظام بن علي، بل بإلزامه، للحصول على هذه الاتفاقية الجديدة، باحترام الالتزامات التي تفرضها مرتبة "الشريك المتقدم" في مجال الإصلاح السياسي (احترام الحريات وحقوق الإنسان، إصلاح القضاء...) حتى لا تكون الحكومات الأوروبية شريكا له - وهي في الواقع شريكة له- في اضطهاد الشعب التونسي خدمة لمصالحها الاقتصادية الأنانية.

وأمام ضغط المنظمات الدولية والإقليمية ووسائل الإعلام من جهة وعدم إظهار نظام بن علي أيّ استعداد جدّي للتخلي عن نهجه الدكتاتوري والاستبدادي من جهة أخرى اضطر الاتحاد الأوروبي، حسب ما هو واضح، إلى مزيد تأجيل بداية النظر في "الملف التونسي" رغم أن حكومات، كحكومات فرنسا وإسبانيا وإيطاليا ذات المصالح الهامة في تونس، عبّرت عن استعدادها لدعم ترشح "تونس" لمرتبة "الشريك المتقدم" دون شروط، أي دون مطالبة نظام بن علي باحترام الحريات وحقوق الإنسان ومبادئ الحكم الديمقراطي.

لقد أثار الموقف الأوروبي غضب السلطة التونسية التي أدركت ما قامت به الحركة الحقوقية الدولية والإقليمية بتنسيق مع الحركة الحقوقية التونسية، من نشاط عرّى انتهاكها للحريات وحقوق الإنسان، كما عرّى الفساد المستشري في بلادنا على حساب قوت الشعب، لذلك سارعت بتقديم مشروع القانون الجديد لمزيد فشستة الحياة السياسية ببلادنا وتشديد قبضتها الأمنية على المجتمع وكبت أنفاس التونسيات والتونسيين وحملهم على الخضوع. وهي لم تجد من وسيلة لتمرير هذا القانون وتبرير تقديمه غير الإيهام بأنها تدافع عن "مصلحة الوطن" و"تحمي اقتصاد بلادنا" و"موارد رزق المواطنين".

إن الهدف الحقيقي من مشروع القانون الجديد لا علاقة له بالوطن والوطنية. لأن حماية مصالح تونس ولقمة عيش التونسيات والتونسيين، هي آخر اهتمامات بن علي ونظامه. إن الهدف الحقيقي من هذا القانون هو أولا: تشويه سمعة المناضلات والمناضلين التونسيين الذين يدافعون بحق عن تونس وشعبها ويضحّون من أجلها بحريتهم و"خبزتهم" وحتى بحياتهم، وتقديمهم على أنهم "عملاء للخارج" لعل الحيلة تنطلي. وثانيا: تجرّمهم، وهذا هو الجديد، باعتبار حملات تخوين المعارضة والمعارضين ليست جديدة، وإسكاتهم بالقوة عن طريق المحاكمات الجائرة والحبس، حتى يتوقفوا عن فضح ما يعانيه الشعب التونسي من قمع واستغلال وفساد وعن انتقاد الحكومات الغربية الداعمة للاستبداد في بلادنا ومطالبة القوى الديمقراطية والتقدمية في بلدان تلك الحكومات للضغط عليها حتى تكف عن هذا الدعم.

لقد سدّت السلطة أبواب حرية التعبير في تونس وهي تريد سدّها في الخارج. فمجرّد الكلام في فضائية عربية أو أجنبية أو كتابة مقال في صحيفة أو المشاركة في ندوة يمكن أن يقود مستقبلا إلى السجن.

ذلك هو الهدف الحقيقي من القانون الجديد. إن نظام بن علي يريد أن يقمع ويعذب ويسجن وينكل ويقتل ويفتح الباب لحفنة من السماسرة كي ينهبوا ويراكموا الثروات، كما يريد أن يبيع البلاد، شركات ومؤسسات وأرضا للدول والشركات الأجنبية ويعقد الاتفاقيات المهينة مع الاتحاد الأوروبي (ومن بينها اتفاقية الشراكة القديمة والجديدة التي يسعى النظام إلى عقدها) وهو ما يمثل بالفعل، تخريبا لتونس ولمقدراتها الاقتصادية واعتداء على قوت التونسيات والتونسيين وحرمانا لهم من إمكانيات النهوض ببلادهم وتوفير أسباب العيش الكريم للجميع، دون أن يحق لأحد أن يفضح ذلك ويندد به وإلا اتهم بـ"تشويه سمعة تونس" و"التآمر على الاقتصاد التونسي"... وزجّ به في السّجن.

إن مشروع القانون الجديد هو علامة أخرى على أزمة نظام بن علي وتفاقم عجزه عن مواجهة مشاكل البلاد بغير الحلول القمعية، بغير التصعيد الفاشستي. ولكن هذا النهج محكوم عليه مسبقا بالفشل الذريع وذلك لسببين، أولهما يتمثل في أن الأمر لن ينطلي على أحد، فالشعب التونسي يعرف اليوم من عدوه ومن صديقه الحقيقي، من يتآمر على حريته وحقوقه وخبزته ومن يدافع عنها. وثانيهما يتمثل في أن هذا القانون لن يخيف المناضلات والمناضلين التونسيين ولن يثنيهم عن مواصلة نضالهم من أجل تونس، حرة وديمقراطية وعادلة، تونس خالية من الاستغلال والنهب والفساد والاستبداد.



الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني