الصفحة الأساسية > البديل الوطني > أضواء كاشفة على دستور أحمد نجيب الشابي
أضواء كاشفة على دستور أحمد نجيب الشابي
20 شباط (فبراير) 2010

I - مقدمة:

أورد السيد أحمد نجيب الشابي عبر صفحات جريدة الموقف (العدد 1431 بتاريخ 25-12-2009) رؤيته لمشروع دستور جديد للجمهورية التونسية تضمّن إحدى عشر بابا و113 فصلا. وبما أن الدستور هو أب القوانين ويعبّر بالضرورة عن هوية الدولة الجديدة المنشودة ومن حق التونسيين جميعا أن يكون لهم رأي فيه، رأيت من الضروري الردّ على هذا المشروع إثراء للنقاش ومساهمة متواضعة مني في إبراز وجهة نظري حول بعض البنود الواردة فيه والتي اعتبرها هامة لأنها تؤشر على مدى استجابة هذا المشروع لشروط التغيير المطلوبة حتى ننتقل من وضع الدكتاتورية والحكم الفردي المطلق إلى واقع الانفتاح والديمقراطية والتعدد الحقيقي، أي من دولة الرعايا إلى دولة المواطنة.

في البداية من الضروري تحديد عناصر مرجعية يمكن القياس عليها حتى نحكم لهذا المشروع أو عليه.

II - بعض العناصر المرجعية:

1 – العنصر الأول يتمثل في السيادة للشعب الذي ينتخب ممثليه بكل حرية عبر انتخابات حرة ونزيهة وشفافة تستجيب في حدودها الدنيا للمعايير الدولية، وله حق سحب الثقة منهم متى رأى ذلك ضروريا. ومن هذا المنطلق فإنّ الدستور الجديد يرفض كل أشكال التعيين ويثبّت مبدأ الاختيار.

2 – العنصر الثاني: ضمان احترام الدولة الجديدة للحقوق والحريات الأساسية: حرية الإعلام والصحافة والرأي والمعتقد وحرية التنظيم الحزبي والجمعياتي وحرية الإضراب والتظاهر السلمي وتجريم انتهاك هذه الحريات ومنع التعذيب المادي والمعنوي ومحاكمة المسؤولين عنه أمرا وتنفيذا.

3 – العنصر الثالث: اعتبار الدولة الجديدة دولة قانون ومؤسسات ديمقراطية تحكمها مؤسسات منتخبة ديمقراطيا ويكرّس فيها الفصل بين السلطات التي تكون مسؤولة أمام الشعب. وعليه فإن دستور الدولة الجديدة يدعم مؤسسات المجتمع المدني ماديا وأدبيا حتى تضطلع بدورها كسلطة مضادة قادرة على مقاومة كل تراجع أو انتهاك للدستور.

4 – العنصر الرابع: يؤكد الدستور الجديد على أن الدولة الديمقراطية الجديدة دولة حرة ومستقلة ذات سيادة تجتهد لخدمة الصالح العام دون انحياز لفئة اجتماعية أو جهة على حساب أخرى. ويكون اقتصاد البلاد موجها لخدمة الحاجيات الأساسية للشعب ومنفتحا على المحيط العربي والدولي في إطار من التعاون المتكافئ والبناء بعيدا عن كل أشكال الوصاية والتبعية.

III - قراءة في مشروع الأستاذ الشابي:

1 – فاجئنا السيد أحمد نجيب الشابي بالإبقاء على الفصل الأول من الدستور القديم على حاله "تونس دولة حرة مستقلة ذات سيادة، الإسلام دينها والعربية لغتها"، وهو بند يكرّس ربط الدين بالدولة. وهذا من شأنه أن يوفر المبررات لإعادة إنتاج الاستبداد، فلطالما وظّف حكامنا الدين سواء في "العهد القديم" أو "الجديد" لتبرير القمع والاضطهاد وانتهاك الحرمة الجسدية والتجويع وتصريف الأزمات والتعدي على الحريات الفردية والعامة... لا شك أن الإسلام هو دين غالبية التونسيين ومن حق كل مسلم أن يمارس معتقده بحرية، وعلى الدولة توفير مستلزمات هذه الممارسة (بناء المساجد وتجهيزها وصيانتها، تنظيم رحلات الحج...) لكن هذا لا يعني الربط بين الدين والدولة لأن الربط معناه أن تستمد القوانين والتشريعات من القرآن والسُنة ولا يُسمح باعتماد مرجعيات أخرى غير دينية كالإعلان العالمي لحقوق الإنسان ولا طرح بدائل تختلف في جوهرها مع الدين كالاشتراكية التي يمكن اعتبارها في هذا السياق غريبة عن ثقافة التونسيين لتبرير منعها وقمع المدافعين عنها. لقد اعتمد الحزب الحاكم بنسختيه البورقيبية والنوفمبرية على شعار "الوسطية في الإسلام" لقمع الإسلاميين والشيوعيين على حدّ السواء والهدف ليس الدفاع عن الإسلام الذي استخدم فقط كمبرّر بل لاحتكار الحياة السياسية والانفراد بالسلطة. وكان من المنطقي، إن لم نقل من البديهي، أن يترك للشعب الحكم على أيّ حزب على قاعدة ما يقدمه من بدائل ورؤى دون توظيف للدين.

إن الإبقاء على الفصل الأول من الدستور القديم على حاله والذي يكرّس ربط الدين بالدولة يتناقض مع الحد الأدنى الذي بلورته الوثيقة المنبثقة عن هيئة 18 أكتوبر والتي وردت واضحة وجلية في ضرورة الفصل بين الدين والدولة واعتماد الشرعية الشعبية في الحكم بدل الشرعية الدينية. وهو يعتبر تراجعا غير مبرر ويتناقض أصلا مع إرادة تغيير الأوضاع والانتقال من واقع الاستبداد إلى واقع الحرية والتعددية الحقيقية.

2 – ما يُثير التساؤل في هذا المشروع هو الدّفاع عن النظام الرئاسي وتقديم تبريرات ضعيفة وغير مقنعة كـ"إرادة الحفاظ على استقرار التوازن بين السلطات وخاصة بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية" و"حماية الحياة العامة من عدم الاستقرار الحكومي". إن القضية الرئيسية في تونس لا تتعلق بعدم الاستقرار الحكومي ولا بغياب التوازن بين السلطات بل تتمثل في غياب الديمقراطية وطغيان الحكم الفردي المطلق. إن النظام الرئاسي هو ببساطة احتكار الرئيس للسلطة التنفيذية وهذا معناه تكريس سلطة الفرد. والتونسيون عانوا طيلة 50 سنة ونيف من حكم حزب الدستور ويلات الحكم الفردي المطلق المجسم في نظام رئاسي مهيمن على السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية وكل أجهزة الدولة.

إن النظام الرئاسي – مهما وقع التأكيد على التفريق بين السلطات وعلى الانتخاب الحرّ والنزيه والشفاف – لا تخدم الديمقراطية بل يُضيّق عليها الخناق وتصبح باقي السلطات مهمشة أو تابعة حسب الظروف وحالة موازين القوى. وقد جاءت الفصول 51 و60 و62 و66 و67 و70 في المشروع المقترح مكرّسة لحكم الفرد المتمثل في الرئيس على حساب باقي مكونات السلطة التنفيذية التي اعتبرها الأستاذ الشابي بمثابة الموظف لدى رئيس الجمهورية (الفصل51). إن توسيع السلطة التنفيذية بتوزيعها بين عديد القطاعات (الحالة التونسية: الرئيس، الوزراء، الولاة، المجالس والهيئات المنتخبة...) يضعف الاستبداد والبيروقراطية ويضمن هامشا أوسع من الحرية ويوفر الشروط الدنيا للحكم الرشيد ويساعد على تحمّل المسؤولية واتخاذ المواقف والقرارات والإجراءات الصائبة.

3 – غاب عن مشروع الأستاذ نجيب الشـّابي مبدأ من المبادئ الأساسية للنظم الديمقراطية وهو مبدأ السّيادة للشعب بحيث لم يعط الأولوية لمسألة الاختيار الشعبي عبر الانتخاب الحرّ والنزيه ولم يثبت مبدأ انتخاب المسؤولين وموظفي الدولة وأعطى الأولوية للتعيين من طرف رئيس الجمهورية على اعتبار أن هذا الأخير منتخب من قبل الشعب، وهذا في تقديري لا يكفي لضمان النجاعة والجدوى والشفافية فيما يتعلق بالاختيارات ويمكن أن يفتح الباب للمحسوبية والبيروقراطية وإمكانية الانزلاق نحو الاستبداد مجددا.

إن السيادة الشعبية في حال تكريسها قانونيا وعمليا من شأنها أن تسدّ الباب أمام سوء التصرّف في الثروة الوطنية والمحسوبية والفساد والاستغلال وبيع خيرات الوطن للأجانب على حساب قوت الشعب، وتكميم الأفواه والتضييق على الحريات.

4 – لم يدعم الدستورُ المقترحُ مؤسسات المجتمع المدني الديمقراطية باعتبارها سلطة مضادة تتصدى لكل أنواع التجاوزات وتمنع التعدّي على مبادئ الجمهورية المكرسة للسيادة الوطنية والشعبية ولحق المواطنة. إن دعم مؤسسات المجتمع المدني بسنّ الإطار القانوني الملائم لتشكيلها وتوفير الإمكانيات المادية والأدبية المساعدة في نشاطها وتجريم التدخل في شؤونها الداخلية، من شأن كل هذه المسائل أن توفر مستلزمات تحصين الدولة الجديدة ضد كل أشكال الانحراف والهزات.

VI – خاتمة

هذه في تقديري أهمّ الإخلالات والنقائص التي أعتبرها جوهرية لأنها تكرّس الحكم الفردي ولا تساعد على الخروج منه. والأكيد أن هناك نقائص وثغرات أخرى لم آت على ذكرها باعتبارها مسائل فرعية وجزئية بالإمكان معالجتها عند مراجعة القضايا الأساسية. إن التوجّه العام لمشروع الدستور الذي اقترحه السيد أحمد نجيب الشابي يكرس في جوهره التواصل مع القديم وليس في قطيعة معه رغم أنه نصّ بوضوح على ضرورة احترام الحريات الأساسية وارتقى بها إلى قوة القوانين الواجب احترامها وجرّم التعذيب وألغى عقوبة الإعدام وأقرّ المساواة بين الجنسين ومنع الرقابة على الإعلام وثبّت مبدأ حياد الإدارة وهذه من الإيجابيات التي تسجّل لصالح المشروع لكنها قابلة للتراجع ما لم تعالج المسائل الأساسية، التي سبقت الإشارة إليها، معالجة جذرية.

مراد الذويبي



الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني